Nawras




31 ديسمبر : أوَ نكتب التاريخ الذي هو لأطفالنا غدُهم، أم تُراه الغد سيكتبنا لنكون لأطفالنا تاريخهم؟ ماعاد الزمن لوحده مفارقة !
لم أكن أتوقّع البتّة أنّ هذا يمكن أن يحدث يوما ".. ألقى "فارس" بعبارته و هو يدفع الباب في قوّة ليدخل شقّته، تبعته "سحر" في صمت أو بالأحرى في شبه ذهول.



" ضربوهم.. اعتدوا عليهم بكلّ وحشيّة.. و لكن في النّهاية ما الذي ننتظره من جهاز أمن متمرّس في القمع غير الذي فعلوه اليوم بالمحامين؟ اللّعنة.. اللّعنة" واصل فارس في غضب.
و أمسك بالصّحف جميعا ليودعها سلّة المهملات، أخرجها صارخا: " و إعلامنا العميل يكاد يقول لنا: كذّبوا أعينكم و صدّقوني.."
أوقد عود ثقاب و ألقاه على كومة الأوراق و ابتعد عنها تاركا إيّاها تحترق أمام عينيه لتصبح مجرّد رماد أسود.
غمغم و هو يلقي عليها نظرة أخيرة: "حينما تحترق الأشياء التّي لا معنى لها، لا تكتسب باحتراقها أيّ معنى.."
رفعت إليه "سحر" عينين جزعتين :"أنا خائفة" ، اقترب منها وقد لاحظ لآنه سحنتها المثيرة للقلق.
"ممّ أنت خائفة ياعزيزتي؟" همس في لطف، التمعت عيناها دمعا وهي تقول:"لن يتواروا عن فعل أيّ شيء لاغتيال التحرّك الشعبي وإخماده ! هم يترصّدون كلّ تحرّكاتنا ، حتّى على الفايسبوك ، أشعر في كلّ لحظة أنّي مراقبة ، أنّهم سيتمكّنون من قرصنة حسابي وصفحتنا ، أنّهم سيلقون القبض عليّ حين أخرج من المنزل ، أنّهم سيقتحمون بيتنا ويجرّونني لدهاليز الداخليّة .. أنّهم سيعتقلوننا واحدا واحدا حتّى يخمدوا كلّ مسيرة تفكّر في الخروج .. لقد رأيتهم كيف انهالوا ضربا على "سامية عبّو" وهي بثوب المحاماة وركلوها دونما رحمة لولا أن افتكّها زملاؤها من بين أيديهم افتكاكا .. رأيتهم كيف يقتنصون الشباب في المظاهرات ، يوجّهون أسلحتهم دون تردّد إليهم يغتالونهم وكأنّهم ليسوا أبناء بلد واحد !"
ابتسم "فارس" وقال يطمئنها في شفقة:"لا تخافي .. لن أترك أحدا يمسّك بسوء .. تعالي ، ضعي رأسك على ركبتيّ ونامي قليلا.." أذعنت له وتركت أصابعه تتغلغل في شعرها وتمسح على رأسها في رفق ..
غمغمت في ضعف تاركة دموعها تنهمر على ركبتيه أحرّ من الجمر على نفسه :"لماذا يفعلون هذا بنا ؟ حتّى النفس يكتمونه فينا والكلمة يخنقونها في حناجرنا قبل أن نتفوّه بها .. إذا ما كان لهذا الشعب أن يقرّر مصيره فما فائدة أن نحيى إن كنّا سنعيش تحت أحذية الحكّام ، حتّى حقّنا في أن نقول :"لا" خارج منازلنا لا نملكه!"
"علّمونا الخوف طوال سنين حتّى صرنا جزءا منه وصار جزءا منّا.. اليوم بدأنا نتحرّر من خوفنا ، بدأنا نواجهه وعلينا أن نستمرّ حتّى النهاية.." أجابها "فارس" في هدوء.
ضاعت عيناه عبر زجاج النافذة و"سحر" تغنّي في خفوت بين يديه :
الخوف ساكن في عظامهم
سكات عيشتهم
علموهولهم في الكراس
غرسوهولهم في الراس
يا تونس يا مسكينة
في برورك هايمة حزينة
يا تونس يا مسكينة
في برورك هايمة حزينة
حيوطك عفسة نوار




Libellés : 0 commentaires | edit post
Réactions : 
Nawras




28 ديسمبر: على جمرة ضوّاية.. غزرت لروحها في المراية.. نتّفتها الدنيا وهدّتها الحكاية وذوّقتها المرّ.. على جمرة تحرقت في قلوب الرجال قبل الصبايا، كيف صاحت في الدنيا وسقّيها مدمدمة حفاية :"ترابك يا بلادي غالي وحرّ"

صورة بن علي أمام فراش البوعزيزي كانت تثير الضّحك و البكاء في الآن ذاته.. 
"من قتل حلما فكأنّما اغتال حياة.."غمغمت "سحر" و عيناها لا تفارقان ذلك الجسد المحترق الذي أخفوه تحت الضّمّادات كإخفاء الموت تحت رداء الحياة..
وضع "فارس" سيجارته على كتف المنفضة و عيناه تترصّدان بين الحين و الآخر شاشة التّلفاز.. "الخطاب".. قالها و يده تلتقط جهاز التّحكّم لترفع درجة الصّوت.





استفرغت السّيجارة كلّ طاقتها حتّى تساقطت شتاتا في صدر المنفضة، أطفأ "فارس" التّلفاز في عصبيّة ، في حين غمغمت "سحر" في شبه هستيريا من الضّحك و الغضب: "أطراف سياسيّة.. تلفزات أجنبيّة تنشرالأكاذيب و الأخبار الزّائفة.. و محاولة انتحار البوعزيزي لحظة يأس نتفهّمها.."
ضرب "فارس" على الطّاولة بقوّة و وقف أمام التّلفازالمطفئ، غمغم محرّكا يديه بطريقة مسرحيّة: "بطالة.. تنمية.. تشغيل.."
أمسك بسكّين صغير كان على الطّاولة و جرح به يده أمام دهشة "سحر" التّي بدت مصدومة من كلّ ما يحدث، أشار بالدّم الذي يسيل على كفّه : "و هذا الذي سال في سيدي بوزيد.. و الذين واروه التّراب.. من يطفئ النّار التّي تضطرم في قلوبهم؟؟"
ضغط يده بقوّة قبل أن يضرب الحائط بكفّه تاركا عليه بصمة حمراء، صارخا: " خبز وماء وبن علي لا "


Libellés : 0 commentaires | edit post
Réactions : 
Nawras



25 ديسمبر:
لطالما ملّ تلك الوجوه المكرّرة في قنوات أطنبت في تزييف الحقائق و خَلَت من كلّ مادّة إعلاميّة تستحقّ أن تقدّم..



استمع لفيديو أخبار الثّامنة التّي لم يشاهدها في الأمس حيث كانت المذيعة تلقي نبأ مقتل شابّ وجرح آخرين في سيدي بوزيّان بمنتهى الآليّة و دون أن يبدو على ملامحها أدنى تأثّر كأنّما تتحدّث دون أن تستوعب ما كانت تُعلنه، لم يكن ينتبه كثيرا لكلماتها بقدر ما كان مهتمّا بقراءة القصيدة التّي صاحبت الفيديو: 
سلام على المفردات اليتيمة
تداري الحقيقة
وتُلبس كل الوقائع
ثوبا جميلا 
أنيقا
جمل مترفة في البهاء
تداري البكاء
تُلقى هنا وهناك
تُخرج قصّة المذبحة
في دقيقة
كأنما صار في الحيّ اشتباك
بين طفلين
شاغبا في الطريق 
الصديقة..


"قتيل وجريحان.."


كأنّي سمعت في مروري

بشبه قناة
وتلك المذيعة
بصوت الملاك
تبثّ الخبر 
دون اكتراث
كأنّ الذي مات
خروف نحر
ذات عراك
بدولة شقيقة..
سلام على المفردات اليتيمة
تمجّد ، تشكر..
وتنسى الجريمة..
تكاد تقول:"أرضي هنا وليست هناك
بأض دماء الجياع
العقيمة"
تعالوا لنشرب معا
نخب الشبر الضائع 
من وقت الوطن
ونشرة الأمسيات السقيمة
في صحّة الإنتحار
والبطالة،
في صحّة الإحتراق
وحرقة الإحتياج العظيمة..
(قصيدة كتبتها في 25 ديسمبر)
سمع طرقات على الباب، فتحه، ابتسم لرؤية "سحر"، دخلت مغمغمة: "تبّا، الجميع يمارس علينا القمع في هذه البلاد.."
غمغم دون أن تفارق الابتسامة شفتيه: "والداك؟؟"
أشارت بكلتا يديها أن نعم قبل أن تضيف في غضب: "لا تخرجي.. إلى أين تذهبين؟؟ الشّارع في قيام دون قعود و أنت تريدين الخروج في هذا الجوّ المشحون بالغضب و المظاهرات؟؟
تصوّر أنّهم يقومون بمراقبة حسابي الشّخصيّ على الفايسبوك!!"
ضحك"فارس" مغمغما: "أ لهذا قُمت بفتح حساب آخر باسم مستعار؟؟"
التمعت عيناها في حماس : "أجل.. ألن تذهب إلى المسيرة؟"
التقط "فارس" سترته مجيبا: "أ تمزحين؟؟" أطفأت جهاز الكمبيوتر و لحقت به.
كان شارع محمّد علي قد بدأ يكتظّ بالنّاس من جميع الأعمار و الجميع يصرخ بصوت واحد: "يا مواطن عار عار.. سيدي بوزيد شعلت نار".. "التّشغيل استحقاق يا عصابة السّرّاق".. "لا لا للاستبداد يا عصابة الفساد".. "يا شهيد يا شهيد ع المبادئ لن نحيد".. "حقّ التّظاهر واجب، حقّ التّعبير واجب"..
أخرجت "سحر" هاتفها المحمول و بدأت بالتصوير.. (يتبع ..)


Libellés : 2 commentaires | edit post
Réactions : 
Nawras



24 ديسمبر: من كنّش الحرائق فاضت دمعة، تملّصت، تكبّرت وغدرت ببسمة.. أغادرالرحيل مواطن الدموع بعدها؟
عينا "سحر" كانتا في تموّج القهوة في فنجانه و هي تلقي بجسدها على الأريكة مغمغمة في شبه اختناق: "أطلقوا عليهم الرّصاص الحيّ في مسيرة سلميّة !!"
أخذ "فارس" نفسا عميقا قبل أن يتمتم و هو يكتب تعليقا على الفيديو التّي كان بصدد نشرها: "محمّد عماري.. 25 سنة.. أوّل شهيد للثّورة التّونسيّة.. قُتل برصاص رجال الأمن في مسيرة سلميّة ضدّ القمع و الدّكتاتوريّة.."



وقف ليلتقط وردة حمراء من المزهريّة التّي تتصدّر الطّاولة، ضغط عليها بقوّة قبل أن يتركها قائلا و أوراقها تتساقط من بين أصابعه على الثّرى: 
مزّق الغضب
صدورنا يا أبي
وروائح الغدر فاحت
من جراحات القتيل..
هل سمعتم صرخة الموت الأخير
والرصاص يكتم أنفاسه؟

وطني ملح وفتيل
وجراحات عظام
وارتطام
بزجاج الموت
ورغيف يابس
نغمّس أطرافه
في جوف القلال
كي نكذب على الشبع
كل يوم
و نمنّي النفس
قائلين : "لم يزل إلاّ القليل"
(مقطع من قصيدة كتبتها في 20 ديسمبر)
Crédit photo : Sophia Baraket
Libellés : 1 commentaires | edit post
Réactions : 
Nawras



ضغط على الزّرّ ليمرّ إلى الصّورة الموالية : "التّشغيل استحقاق يا عصابة السّرّاق"..
18 ديسمبر:
أخمد سيجارته في المنفضة بقوّة حدّ استئصال التّبغ من صدر لفافتها..
"الوسط يكابر جراحه و يتخبّط تحت سحابة القمع و نحن هنا نشاهد احتراقه من خلف شاشاتنا.. تبّا لهم.. سيخمدونهم واحدا واحدا قبل أن يخرج واحد منّا إلى الشّارع" غمغم "فارس" و هو يضغط على زرّ"Partager" لينشر فيديو آخر لمسيرة سيدي بوزيّان.
"تحدّثت إلى "أكرم" منذ قليل .." قالت "سحر" في خفوت.. رفع إليها "فارس" عينين استقرّ فيهما كثير من الفضول: "اعتقالات بالجملة..خاصّة في صفوف الشباب ، إصابات في صفوف المتظاهرين مع مراقبة ومتابعة تحركات النشطاء والمناضلين والشباب المعطلين عن العمل.. و المظاهرات مستمرّة على الرّغم من قمعها.." واصلت في أسف.
امتقع وجه "فارس" و هو يسمعها و غمغم في غضب: "تبّا لهم..تبّا !!" (يتبع ..)



 
Libellés : 0 commentaires | edit post
Réactions : 
Nawras


بعد ثمانية أشهر عن مرورها ، بدأ فارس في مشرب الكليّة بتصفّح "ألبوم الثورة" .. 
جلس في ركن بعيد عن الأنظار و أخرج من حقيبته السّوداء جهاز كمبيوتر، وضعه على الطّاولة و أشعله.. أشار إلى النّادل بإحضار قهوة له و أوقد سيجارة متطلّعا إلى شاشة حاسوبه..

 صورة الجسد المحترق وتينك العينان اللّتان أوقدتا النّار في صدور النّاس حدّ الثّورة و العصيان ذات شتاء كانت تتصدّر شاشته في تحدّ ..
17 ديسمبر:
نفث دخان سيجارته حين داهمت "سحر" أفكاره ، ابتسم حال رؤيتها، وجهها كان يحمل سحابة من القلق فاجأته ، غمغم: "ما الأمر؟" أجابته في تقطّع: "لنذهب إلى المنزل.."
لم ينبس ببنت شفة و إن كانت عشرات الأسئلة تراوده ، سار معها في صمت إلى شقّته.. انتظر حتّى إغلاق الباب لينفجر: "أخبريني بكلّ شيء.. ما الذي حدث ؟؟"
أجابته: "افتح حاسوبك ، نشر "أكرم" الخبر منذ قليل.. أضرم شابّ في جسده النّار في سيدي بوزيد.."
"يا إلهي.." غمغم "فارس" و هو يرفع عينيه عن جهاز حاسوبه غير مصدّق ما كان يقرأه "محمّد البوعزيزي ، شاب من أصحاب الشهادات العليا العاطلين عن العمل يقدم على إحراق نفسه احتجاجا على الاعتداء عليه من قبل أعوان المراقبة البلديّة بسوق المدينة حيث كان يعرض بضاعته كبائع متجوّل .."
"هذه المرّة لا أظنّها ستمرّ مرور الكرام " غمغمت "سحر" في تخوّف قبل أن تضيف: "23 عاما من الصّمت و الغضب.."
"لقد خرجوا.." قال "فارس" و هو ينظر إلى شاشته مجدّدا.. "أخشى أن.." قاطعته "ليلى" قبل أن يكمل عبارته: "لسنا في 2008"
تبادلا نظرة طويلة قبل أن تنضمّ إليه أمام شاشة الحاسوب و في داخلها صوت يغنّي: "سيدي البشير يا خريّف.. إرّاح شوف حال رديّف..الدڤلة في عراجينها هزّوها من حينها .... وشبّ في لحمي نار .. في لحمي نار .." (يتبع ..)





Libellés : 0 commentaires | edit post
Réactions : 
Related Posts with Thumbnails